تحوّلت القاهرة إلى ساحة جديدة في سباق الشرائح والذكاء الاصطناعي بعد أن قدّمت هواوي للحكومة المصرية عرضاً لبناء مركز بيانات يعتمد أساساً على شرائح «أسيند-950» التي تُسوَّق منافسةً لإنفيديا، بنحو 1408 شرائح من هذا الطراز إضافة إلى 600 من طراز «910 بي» الأقدم. ووفق بلومبيرغ جهّزت إدارة دونالد ترمب عرضاً مضاداً يضم إنفيديا وإيه إم دي ومايكروسوفت. وأوضحت الإدارة أن الاعتماد على شرائح هواوي دون موافقة واشنطن المسبقة قد يعرّض مصر لعقوبات وغرامات، من غير تأكيد إن أُبلغ الجانب المصري بذلك في المفاوضات. واردات شرائح الذكاء الاصطناعي إلى مصر تحتاج موافقة أمريكية منذ 2023، ما يمنح واشنطن أداة قانونية لإعاقة الصفقة.
العرض هو أول مسعى لهواوي لتصدير أحدث شرائحها التي كان تشغيلها مقتصراً على مراكز داخل الصين. سبق أن قدّمت عروضاً لدول الخليج وجنوب شرق آسيا اقتصرت على آلاف شرائح «910 سي» الأضعف، فآثرت دول الخليج إنفيديا ضمن مشروع «ستار غيت» واستثمارات شركات مثل إكس إيه آي وأوبن إيه آي. وفي نوفمبر 2025 نُقل أن مايكروسوفت تعتزم إرسال أكثر من ستين ألف شريحة «جي بي 300» إلى مراكزها في الإمارات بالتعاون مع «جي 42». بذلك خسرت هواوي الجولة الخليجية مبدئياً وتحاول ألا تتكرر الخسارة في مصر. إجمالي صفقة القاهرة نحو ألفي شريحة، وهو عدد ضئيل بمقاييس مراكز التدريب التي تضم عشرات الآلاف، وأقوى شرائح هواوي لا توازي إنفيديا، وقد تعادل الصفقة بضع مئات من الشرائح الأمريكية.
التقنية أداة لا سيادة عليها لغير أهل الدار. الله يحفظ بيانات الأمة من أن تُرهن لواشنطن أو بكين.
العرض لم يقتصر على الحوسبة؛ استعرضت هواوي استخدامات منها منظومة مراقبة تتعرّف على المركبات والأشخاص من قاعدة سكانية وطنية، وآلية «وعي المواقف» التي تجمع كاميرات ومستشعرات في رؤية بانورامية على شاشة واحدة، بالتعاون مع «آي فلاي تيك» المدرجة مع هواوي على القوائم السوداء الأمريكية منذ 2019. لهواوي في مصر مركز سحابي وتعاون مع مزودي الإنترنت في وحدات التوزيع. ويتزامن العرض مع زيارة مرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، الأولى منذ زمن. بلومبيرغ رأت أن الأثر الاقتصادي على هواوي محدود، لكن الصفقة إثبات لقدرتها على تصنيع شرائح رائدة وتصديرها، وهو ما تخشاه واشنطن لتوسعة النماذج الصينية الأرخص في أفريقيا ودعم الشركات الصينية هناك.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. والتوازن في التقنية كالتوازن في المال: لا ارتهان لطرف يهدّد بالعقوبة، ولا انفتاح يفتح أبواب الرصد على الناس بغير ضمان. نسأل الله أن تُختار الصفقة بما يحفظ سيادة القرار وكرامة البيانات لا بما يرضي عواصم التنافس.

مركز البيانات أمانة. الله يوفّق مصر لما يحفظ أهلها لا ما يُباع في سباق الدول.
اللهم احفظ بلاد المسلمين من أن تُجعل ساحة لخصومة الكبار على حساب سيادتها، وبارك في علم نافع لا يُتخذ أداة رقابة ظالمة، ويسّر لأهل مصر قراراً عدلاً. آمين يا رب العالمين.
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.



