في أغسطس 2008 أعلنت دمشق مقتل ضابط في الجيش السوري يُدعى محمد سليمان، من دون ذكر منصبه ومن دون اتهام جهة بعينها. بعد 18 عاماً خرجت صحف إسرائيلية ورواية لرئيس الوزراء آنذاك إيهود أولمرت تعترف بأن تل أبيب نفّذت العملية في مدينة طرطوس الساحلية.
تصف الرواية الإسرائيلية سليمان بأنه من أقرب المستشارين الأمنيين للأسد، وتربط اسمه بمشروع مفاعل دير الزور الذي قُصف عام 2007، وبالعلاقة مع كوريا الشمالية، وبقنوات بين طهران وحزب الله. أما النظام السوري فقد آثر الصمت الرسمي المطوّل، فيما سبق أن أشار حسن نصر الله بعد أشهر إلى مسؤولية إسرائيل.
الاعتراف المتأخر ليس شجاعة تاريخية.. بل تذكير بأن الاغتيال خارج الحدود سياسة تُروى بعد أن يبرد الدم، حين ينتفي الحساب.
جاءت العملية بعد أشهر من مقتل عماد مغنية في دمشق، في سلسلة اغتيالات ظل كثير منها بلا محاكمة دولية. الكشف اليوم يخدم سردية إسرائيلية عن «إزالة تهديد»، لكنه لا يغيّر حقيقة أن الاغتيال في أرض دولة أخرى انتهاك للسيادة وأخذ للحق باليد.

ومن منظور إسلامي، فإن سفك الدم بغير قضاء عادل محرّم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. فالدول إن اختلفت فالحجة والقانون، لا تصفية الخصوم في بيوتهم ثم الاعتراف بعد عقدين في كتاب مذكرات.
يبقى الملف حلقة في تاريخ طويل من العمليات السرية في الإقليم. قراءته اليوم تفيد لكشف الرواية لا لتمجيدها، ولسؤال من يحمي سيادة الدول الصغيرة إذا صارت الشواطئ مسرحاً يُروى بعد فوات الأوان.

التاريخ لا يُكتب برصاصة من البحر.. يُكتب بعدل يحاسب القاتل ولو تأخر الاعتراف ثمانية عشر عاماً.
ندعو الله تعالى أن يحقن الدماء في سوريا والمنطقة، وأن يكشف الحقائق للناس، وأن يجعل العبرة من الماضي مانعاً لتكرار الظلم. إن الله سريع الحساب.
فالعدل أساس الملك، والله غالب على أمره.



