تحت سقف خيمة تهتز مع كل غارة، كانت نعمة حسن تمسك بهاتفها لا لتكتب مشروعاً أدبياً مؤجلاً، بل لتنقذ الذاكرة من النسيان. من منشورات فيسبوك اليومية وُلد كتاب «جدران من قماش: العام الأول من الإبادة»، الصادر عن دار الناشر في يونيو 2026.
ابنة رفح تحوّلت بتلقائية إلى مواطنة صحفية يتابعها عشرات الآلاف. رصدت الصدمة في الساعات الأولى، ثم المجازر والنزوح والتجويع، ثم الشظايا التي أصابت جسد ابنها، ثم استشهاد ابن أختها. لم تكن الأرقام وحدها موضوعها، بل تفاصيل الأمهات اللواتي يبحثن عن أطفالهن، والآباء الذين يُسلَّمون أكياساً لا يدرون إن كانت لأبنائهم.
الخيمة جدار من قماش.. والكلمة جدار من ذاكرة. من يكتب تحت القصف لا يزخرف الألم، بل يمنع أن يُمحى وجه الضحية.
وثّقت أوامر الإخلاء المتكررة وصراخ «وين نروح»، ومشهد الشاحنات التي جاءت بالمساعدات وعادت بالشهداء. وفي الوقت نفسه لم تتخلَّ عن صوتها الشعري؛ كتبت عن القهوة قبل نفاد البن، وعن فيروز حين تنقطع الكهرباء، كأنها تستعيد الحياة العادية في وجه الموت.

ومن منظور إسلامي، فإن حفظ الشهادة وقول الحق من أبواب الأمانة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. فتوثيق ما جرى في غزة ليس ترفاً أدبياً، بل قياماً بحق الشهداء والجرحى والنازحين، حتى لا تُعاد صياغة الرواية بغير لسان من عاشوها.
الكتاب نص مفتوح: يوميات امرأة، وأرشيف خبر، وصرخة غضب، وقصيدة كُتبت في الخيمة. لا يفسّر الحرب دائماً، لكنه ينقش أثرها على الأرواح.

من رفح إلى العالم.. القماش لا يحمي من الغارة، لكن الكلمة قد تحمي الحقيقة من الدفن.
ندعو الله تعالى أن يرحم شهداء غزة، وأن يشفي جرحاهم، وأن يحفظ من بقي يكتب ويصبر تحت الخيام. اللهم اجعل هذا التوثيق حجة للحق ونوراً لا ينطفئ.
فالذاكرة عبادة حين تُنصر بها المظلوم، والله غالب على أمره.



