في مواصي خان يونس جنوبي غزة، افتتح مزارعون موسم الجوافة بعد ثلاث سنوات من الحرب أنهكت الأرض والناس. لم يعد الموسم احتفالاً بالخير كما كان، بل محاولة للتمسك بما تبقى من أشجار كانت تطعم الأسر وتُشغّل العمال.
كانت مساحات الجوافة في جنوب المواصي تتراوح بين ألفي دونم و2500، ولم يبقَ منها اليوم إلا نحو 200 دونم. وفي بعض المزارع لا يتجاوز الإنتاج 30% مما كان قبل الحرب. نقص المياه والكهرباء والأسمدة والأدوية الزراعية جعل الرعاية شبه مستحيلة، وأسعار المحصول لا تغطي التكاليف.
الشجرة في غزة ليست ثمرة فقط.. هي بيت رزق وكرامة. من يجرف الأرض لا يقطع غصناً فحسب، بل يقطع أمل أسرة كاملة.
يقول مزارعون إن القطاع الذي كان يعتمد على إنتاجه المحلي بات أكثر اعتماداً على ما يدخل عبر المعابر. نزوح من رفح إلى المواصي لم يوقف العمل رغم القصف والقرب من الخط الأصفر. ومع تجريف أراضٍ كاملة فُقدت فرص مئات العمال، وأصبح نحو 70% من الشباب بلا عمل.
ووفق منظمة الفاو تضرر نحو 87% من الأراضي المزروعة في غزة حتى أواخر 2025، بينها معظم البساتين. وتقييم أحدث يشير إلى أن قرابة 3% فقط من الأراضي المزروعة بقيت متاحة وغير متضررة.

ومن منظور إسلامي، فإن إفساد الحرث محرّم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. فالزراعة عبادة رزق، والمزارع الذي يسقي شجرته تحت الخطر إنما يحفظ أمانة الأرض والأنفس.
يبقى التمسك بالجوافة فعل صمود يومي: سقي ناقص، وموسم ضعيف، وأمل ألا تُمحى هوية الأرض مع محاصيلها.

ما دام في غزة من يسقي شجرة.. فالأرض لم تُهزم بعد. الرزق من الله، والصبر من أهلها.
ندعو الله تعالى أن يحفظ مزارعي غزة وأشجارهم، وأن يبارك في رزقهم، وأن يعيد إلى أرضهم الماء والزرع والأمان. اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً.
فالزرع رحمة، والله غالب على أمره.



