تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في لحظة تتجاوز الاحتفاء الدبلوماسي: أول حضور له منذ عقد، وسبعون عاماً على العلاقات، وملفات تجمع الاقتصاد بالأمن وقناة السويس والبحر الأحمر.
ترى بكين في مصر جسراً بين آسيا وإفريقيا والعالم العربي، وممراً حيوياً لتجارتها عبر السويس، وساحة لنقل صناعاتها نحو الأسواق. وبلغت استثمارات صينية في منطقة تيدا قرب الخليج نحو ملياري دولار، مع مجمعات نسيج وتوجه نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية ومراكز البيانات، وسط منافسة أمريكية على البنية الرقمية.
الشراكة نعمة إن حفظت السيادة.. وتبعة إن تحوّلت إلى استيراد بلا تصنيع. مصر تحتاج استثماراً يُشغّل أبناءها لا ممراً يمرّ منه مال الآخرين فقط.
من جهة مصر، بلغت التجارة مع الصين أكثر من عشرين مليار دولار، لكن الميزان يميل بشدة لصالح الواردات. لذلك تراهن القاهرة على التصنيع المحلي والتصدير وفرص العمل ونقل المعرفة، لا على الاستهلاك وحده. كما تمنح المنافسة بين الشركات الصينية والأمريكية هامش مفاوضة على التمويل والتدريب وحماية البيانات.

ومن منظور إسلامي، فإن التعاون مشروع ما دام قائماً على العدل وعدم الإذلال. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. فتنويع الشركاء يحفظ استقلال القرار، أما الركون إلى قطب واحد فيُضعف الأمة. المطلوب أن تتحول الجغرافيا المصرية من مجرد عبور إلى إنتاج وكرامة اقتصادية.
يمتد التعاون إلى تدريبات عسكرية مشتركة وعضوية البريكس والتنسيق حول فلسطين والأمن الإقليمي. ويبقى الاختبار: هل تُترجم الزيارة إلى مصانع ومهارات وسيادة تقنية، أم تبقى بيانات وبروتوكولاً؟

التوازن بين الشرق والغرب قوة.. والتبعية لأي منهما ضعف. الحكمة أن تأخذ مصر ما ينفع شعبها وتردّ ما يمسّ قرارها.
ندعو الله تعالى أن يبارك لمصر في شراكاتها، وأن يحفظ قرارها مستقلاً، وأن يجعل التعاون باب رزق لا باب هيمنة. إن الله على كل شيء قدير.
فالسيادة أمانة، والله غالب على أمره.



