الحمد لله الذي جعل المال قياماً للناس، ونهى عن أكل أموال الناس بالباطل، والصلاة والسلام على نبيٍّ حذّر أمّته من فتنة الدين إذا ركب ظهور الأمم. أما بعد:
نشرت أسواق المال في الأيام الأخيرة قراءة واضحة: عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل ارتفعت إلى مستويات لم تُعهَد منذ نحو عقدين، والدين العام تجاوز أربعين تريليون دولار، وصارت فوائد خدمة هذا الدين ثالث أكبر بند في مصروفات الموازنة الاتحادية. هذا ليس مجرد رقم محاسبي؛ هو إشارة إلى أن حقبة المال الرخيص التي سادت بعد الأزمة المالية ثم الجائحة لم تكن «وضعاً طبيعياً جديداً»، بل استثناءً مؤقتاً خرج عن المسار التاريخي.
ليست هذه عودةً إلى «طبيعة جديدة»، بل عودة إلى المعدّل الطبيعي ببساطة. السندات طويلة الأجل — بخلاف الأسهم — تميل للرجوع دائماً إلى متوسطها التاريخي.
السوق يشهد تحوّلاً هيكلياً من فائض الطلب إلى فائض المعروض. تزايد إصدار السندات الحكومية والشركات ذات التصنيف الاستثماري في الأسواق العامة والخاصة، في حين تراجع الإقبال النسبي من صناديق التقاعد ومن بعض الدول التي كانت تشتري هذه الأوراق باعتبارها ملاذاً آمناً. النتيجة المتوقعة ليست بالضرورة انهياراً سيادياً أو خروج «حرّاس السندات» إلى الشارع في ليلة واحدة، لكنها ارتفاع مستدام في أسعار الفائدة، أي كلفة أعلى على الحكومات والشركات والأسر.
وقد انتظر المتشائمون في سوق الدخل الثابت هذه اللحظة نحو خمسة عشر عاماً. قد تهبط العوائد مؤقتاً مع أي خبر عن تباطؤ أو إعادة شراء من الخزانة، لكن العودة إلى بيئة الفائدة القريبة من الصفر التي ميّزت العقد الثاني من الألفية أصبحت مستبعدة في الرأي السائد بين كبار مديري الأصول. علاوة الأجل (term premium) — أي التعويض الإضافي الذي يطلبه المستثمر مقابل حبس ماله ثلاثين عاماً بدل تدويره في أدوات قصيرة — عادت إلى الواجهة بعد سنوات من الضغط السالب بفعل التيسير الكمّي.
بيئة الفائدة قرب الصفر لم تكن الوضع الطبيعي الجديد قط؛ كانت استثناءً مؤقتاً من المسار التاريخي. ومن أولى حقائق السند الطويل أنه يعود إلى وسطه، لا يطير مع وهم الخلود المالي.

على مستوى المعيشة: رهن عقاري بنسبة ستة في المئة قد يصبح هو «الطبيعي» الجديد في نظر السوق، بعد سنوات اعتاد فيها الناس على كلفة اقتراض شبه مجانية. هذا يضيّق خيارات الحكومات المالية: كل نقطة مئوية إضافية على عائد الثلاثين عاماً تعني مليارات تُقتطع من التعليم والصحة والبنية بدل أن تُسدَّد فوائد. وفي ميزان العدل، من اقترض فوق طاقته ثم حمّل الأبناء والضعفاء ثمن الإسراف فقد فتح باباً من أبواب الظلم، ولو لُبِّس بلباس السياسة العامة.
أما بلاد المسلمين فليست بمعزل. ارتفاع العوائد العالمية يرفع كلفة التمويل بالدولار وبالصكوك المرتبطة به، ويضغط على موازنات الدول المدينة، ويزيد هشاشة الفقراء أمام الغلاء إذا انتقلت الكلفة إلى السلع والخدمات. في المقابل، من كان مدّخراً نقدياً أو مالكاً لأدوات دخل ثابت بعائد عادل قد يجد في هذا التصحيح بعض الإنصاف بعد سنوات أكل فيها التضخم مدّخراته بصمت.

الدرس الشرعي واضح: المال أمانة، والدين يُقيَّد بالاستطاعة، والإسراف في الاستدانة لتمويل ما لا ينتج ولا يحمي الضعيف فتنة. عودة السوق إلى معدّله القديم ليست كارثة كونية، بل تذكير بأن السنن لا تُدار بالبيانات الصحفية. من صبر على الحق وعدل في كسبه وإنفاقه فقد أخذ بحظه من الطمأنينة، ومن بنى عيشه على ربا مركّب ووهم الفائدة الصفرية فقد بنى على شفا جرف هار.
اللهم اكفِ عبادك شرّ الديون المتراكمة، وبارك لمن اكتسب حلالاً وأنفق قصداً، وارزق ولاة أمور المسلمين sodad في بيت المال، واحقن دماء المستضعفين في غزة وفلسطين ولبنان وسائر ديار الإسلام، وثبّت أقدام الصابرين، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا. آمين.


